أسعد بن مهذب بن مماتي
22
لطائف الذخيرة وطرائف الجزيرة
هذا الوجه ، فأما من وجه حاصل فليس لي بعد ما أخذتموه منى درهم واحد . فنجم المال علىّ وأطلقت وبقيت مديدة إلى أن حلّ بعض نجوم المال علىّ فاختفيت واستترت وقصدت القرافة وأخفيت نفسي في مقبرة الماذرائيين وأقمت بها مدة عام كامل ، وضاق الأمر علىّ فهربت قاصدا للشام على اجتهاد من الأستاذ ، فلحقني في بعض الطريق فارس مجدّ فسلّم علىّ وسلّم إلىّ مكتوبا ففضضته وإذا هو من الصفى بن شكر يذكر فيه : لا تحسب أن اختفاءك عنى كان بحيث لا أدرى أين أنت ولا أين مكانك ، فاعلم أن أخبارك كانت تأتيني يوما يوما وأنك كنت في قبور الماذرائيين بالقرافة منذ يوم كذا وأنني اجتزت هناك واطلعت فرأيتك بعيني ، وأنك لما خرجت هاربا عرفت خبرك ولو أردت ردّك لفعلت ، ولو علمت أنك قد بقي لك مال أو حال لما تركتك ولم يكن ذنبك عندي مما يبلغ أن أتلف معه نفسك وإنما كان مقصودى أن أدعك تعيش خائفا فقيرا غريبا ممجّجا « 1 » في البلاد ، فلا تظنّ أنك هربت منى بمكيدة صحّت لك علىّ ، فاذهب إلى غير دعة اللّه ، قال : وتركني القاصد وعاد فبقيت مبهوتا إلى أن وصلت إلى حلب ، فحدثني الصاحب جمال الدين الأكرم أدام اللّه علوّه لما ورد إلى حلب نزل في دارى فأقام عندي مدة وذلك في سنة 904 « 2 » ، وعرف الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين بن أيوب رحمه اللّه خبره فأكرمه وأجرى عليه في كل يوم دينارا صوريا وثلاثة دنانير أخرى أجرة دار ، فكان يصل إليه في كل ثلاثة أشهر ثلاثون دينارا ( كذا ) غير بر وألطاف ما كان يخليه منها ، وأقام عنده
--> ( 1 ) أي طريدا . ( 2 ) تقع في سنة 1207 - 1208 ميلادية .